المترو "كلاكيت ثالث مرة"
الجو حار هذا اليوم , ارتميت علي الكرسي -الذي خلا لتوه- من فرط الاعياء , فلم اكن متعبة من الوقوف وانما من حرارة الجو المرتفعة. أغمضت عيني للحظات لأريحها من أثار الشمس , وفتحتها عندما سمعت همهمات من حولي تدل علي حدوث شيء أثار دهشة الناس مما جعلني افتح عيني لرؤية ما يحدث.
طفلة في حوالي الرابعة من عمرها , منكوشة الشعر , رثة الثياب والهيئة , حافية القدمين اللاتي كانتا متسختين بالطبع , وجهها لم يكن يختلف كثيرا عن ملابسها , فعينيها تكاد الافرازات تغطيهما , و أنفها الذي يتدلل منه المخاط ليصل الي فمها فتكمل الصورة.
تحمل بيدها علبة مناديل واحدة وتتحرك في صمت , تتنقل من راكب الي اخر في نشاط , تقف أمامه في صمت مادّة يدها بعلبة المناديل في الحاح صامت وناظرة اليه نظرة كافية أن تعلن عن ما تود قوله , وبملامحها التي شعرت انها لامرأة ناضجة تحمل هم سنوات الشقاء.
تابعها جميع الركاب وهي تتنقل من واحد الي اخر , فكانت تطيل الوقوف الي ان يتحرك مَن امامها معطي اياها ما تسعي من اجله.. بعض القروش , رافضة لان تتحرك اذا اعلن الراكب رفضه او عدم رغبته في شراء المناديل.
قطع تأملي لها صوت لشيء يتحرك علي الأرض , نظرت لأجد طفل صغير لم يكمل العام بعد , غالبا لا يزيد عن 8 شهور , ومظهره لا يختلف كثيرا عن الفتاة , كان يزحف بانطلاق علي أرضية المترو المغطاة بغبار الأحذية وكأنه باحدي غرف منزله , هذا ان كان له منزل.
فتاة تكبر الأولي بسنة أو اكثر قليلاً تجري خلف الطفل الزاحف لتلتقطه من الأرض قبل ان يفتح باب المترو في احدي محطاته فيدهسه احدهم تحت قدميه أو يسقط هو من الباب زحفا , تابعتها لأجدها تتجه لاخر العربة حيث تجلس علي أرضية المترو امرأة شابة اذا دققت النظر ولكن البؤس والشقاء والفقر يعطيانك انطباع بأنها امرأة عجوز. كانت تحمل علي كتفها طفل أكبر قليلا من الذي كان يزحف , وتربت علي ظهره في وهن وربما يأس.
تحولت بنظري مرة اخري الي الطفلة الأولي فوجدتها لاتزال واقفة في مكانها الذي تركتها فيه تتذلل لأحد الركاب وتستجدي عطفه بنظرتها البائسة وبيدها الصغيرة الممدودة امامها في مشهد جعل بدني يقشعر من الاحساس بمزيج من المهانة والذل والشفقة والغضب والحزن والكراهية.
للحظة اردت الذهاب الي الأم ونهرها لاهمالها لأطفالها واستغلالهم بهذا الشكل المقزز , ولكنني نظرت اليها فوجدتها هي الأخري مثلهم , مُهملة.
تمنيت أن التقط لهم صورة ولكنني أشفقت عليهم , فيكفيهم ما هم فيه من مهانة , فبالطبع كنت سأطلب من الأم قبل أن أفعل لايماني بحق الانسان واحترام ذاته ولكني تراجعت عندما اكتشفت عجزي عن جر ساقي الي حيث تجلس.
شعرت باني أكره كل من كان له يد في أن تتشرد ام بأطفالها الأربعة , وأن تتربي طفلة صغيرة علي فنون التسول بدلاً من ان تعرف معني العزة والكرامة, وأن تتحمل طفلة لم تكمل الخامسة مسئولية طفل مُشرد هو الاخر بدلا من أن تذهب للعب مع أقرانها.

مجرد سؤال
في رقبة مَن هؤلاء الأطفال الأربعة وأمهم؟